حوت منقرض

  • اكتشاف "تاريخي" لاثار حوت منقرض منذ 37 مليون سنة في الصحراء السعودية

    المركز العربي للمناخ- المهندس احمد العربيد

    لم تخيب التضاريس السعودية توقعات الباحثين، وقبل ذلك النبوات والأساطير، التي لفتت باكراً إلى أن جوانب من تلك الصحراء القاحلة، كانت ذات يوم بحاراً وأنهاراً، تعيش فيها الكائنات البحرية قبل الصحراوية التي ورثتها بعد ذلك حقباً بعد أخرى.

    ومع أن البعثات الاستكشافية بدأت منذ عقود تبحث بفضول عما وراء كثبان الجزيرة العربية، وما تخفيه من كنوز وعجائب، إلا أن الطابع المؤسسي الذي أخذته حديثاً، أضفى على المكتشفات مزيد إبهار وصدقية. 

    يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، عن اكتشاف إحدى فرقها الأحفورية "بقايا حوت منقرض قبل 37 مليون سنة شمال غربي السعودية في منطقة الجوف، يعد الأول من نوعه، بوصفه يعود إلى عصر "الأيوسين"، وهو بذلك سيخدم البحوث العلمية المحلية والعالمية خصوصاً في مجال الأحافير، كما يكشف حجم الانتشار الجغرافي القديم للثدييات البحرية من طبقات عصر الأيوسين، شمال غربي السعودية". 

    والعصر الأيوسيني وفق المدونات العلمية، هو حقبة زمنية سحيقة تمتد إلى أكثر من 56 مليون سنة، كانت بعض ظواهرها الجيولوجية والطبيعية ذات أبعاد وأنماط مختلفة عما هو سائد في العصر الراهن، بما في ذلك المناخ والكائنات.

    طريقة احتساب عمر الحوت

    وقال الرئيس التنفيذي للهيئة عبدالله الشمراني "إن الاكتشاف تمثل في نوع فريد من الحيتان البحرية التي انقرضت، كانت متواجدة في المياه البحرية  التي كانت تغطي الأجزاء الشرقية  تقريباً والشمالية الغربية من شبه الجزيرة العربية"، بالتالي فإن المسؤول المساحي يعتبر الخطوة "بمثابة إنجاز علمي كبير للجيولوجيين، فالحوت المكتشف شبه كامل تقريباً، سوف يخدم الأبحاث الجيولوجية على مستوى العالم والباحثين في هذا المجال في كل الأقطار". 

    وأوضح في إحدى نشرات قناة "العربية" أن عمر الحوت الذي أثار الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي لدى الإعلان عنه، يتم احتسابه بوسائل علمية، معروفة في المجال، من خلال "استخدام أعمار الصخور والأحافير بداخلها، تحمل دلائل مرشدة، سواء أحافير ترى بالعين أو المجهر أو من طريق النظائر المشعة، الكاشفة للأصناف والأعمار في تلك الحقبة".

    وفي وقت لا يزال الاكتشاف يخضع للدراسات والفحص والتدقيق، يقدر بعض الباحثين طول الحوت بنحو 20 متراً، فيما لفت آخرون إلى أن رحالة غربيين مثل الإنجليزية آن بلنت، كانوا لاحظوا من قبل، معالم تؤشر إلى أن أودية في منطقة شمال غربي السعودية (الجوف)، هي "مجرى بحر قديم مثل البحر الميت".

    بحر أصبح صحراء جرداء

    وتروي بلنت في كتابها "الحج إلى نجد"، كيف وصلت إلى المنطقة مع الأدلاء المحليين، إلى جانب توثيق مشاهداتها قائلة "علينا الآن البحث عن الشراري ليقودنا إلى الجوف... وجئنا واحتي "الكاف" التوأم، على بعد ساعتين ونصف إلى الشرق منهما، في وادي سرحان. والأخير غير محدد في الخرائط الحديثة، على الرغم من أن شيسني (عسكري إنجليزي) حدد المكان في خرائطه تحديداً خاطئاً. وعثرنا بواسطة مقياس الضغط الجوي أنهما على المستوى نفسه، ومقارنتنا هذه يبدو أنها تثبت أن لا منحدرات في وادي سرحان".  

    وتقول عن الوادي المحيط بموقع الاستكشاف، إنه "منخفض فوضوي غريب يُرجح أنه حوض بحر قديم مثل البحر الميت، وهو هنا على بعد 12 ميلاً إذا نظرنا إلى التلال التي نراها وراءه، وهي من غير شك المنحدرات المقابلة للحوض. وثمة عدد كبير من الآبار هنا وفي كاف (مدينة في المنطقة)، واسعة ومجوفة، فمستوى المياه لا يزيد على ثمانية أقدام تحت سطح الأرض. وهي تروي جنائن النخل. وثمة آبار كذلك خارج هذا المكان، وتقع على المستوى المنخفض نفسه. والمياه عذبة، ولكنها غير مثالية. وقطعنا بحيرة مالحة كبيرة، صارت اليوم جافة ويتجمع فيها الملح للقوافل".

    واهتم الباحثون السعوديون أمثال حمد الجاسر وعبد الرحمن الأنصاري منذ وقت مبكر برصد الجوانب اللافتة في تضاريس بلادهم مترامية الأطراف جغرافياً وأثرياً، إلا أن الجانب الثقافي والسياحي من رؤية 2030، أخضع شمال غربي البلاد لعمل بعثات محلية ودولية في مجال التنقيب، جعلت الاكتشافات تتلاحق، خصوصاً بعد أن أصبحت مدينة العلا في الإقليم، قبلة للسياحة الثقافية والأثرية. 

    وفي هذا السياق أعلنت وزارة الثقافة السعودية أنها وجدت مؤشرات أثرية، ترجح أن مدينة "تيماء" في شمال البلاد كانت قبلة لقوافل فراعنة مصر قبل 3 آلاف سنة حين وفدوا إليها للتزود بالبضائع الثمينة التي اشتهرت بها أرض مدين، كالبخور، والنحاس، والذهب، والفضة.

     

    وأعلنت أنه من المتوقع أن تبدأ أعمال الحفائر في موقع "الملك رمسيس الثالث"، في شمال السعودية، في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للكشف عن آثار الفراعنة وعلاقتهم التجارية بشبه الجزيرة العربية قبل 3 آلاف عام.
    الذهب والبخور جلب الفراعنة 

    الاكتشاف دعا رئيس هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة السعودية، جاسر الحربش، ووزير الآثار المصري السابق زاهي حواس، لعقد مؤتمر صحافي قالا فيه، إن علماء آثار مصريين وسعوديين يعتزمون البدء في مشروع عملاق في تيماء لتقصي تلك الآثار وقصتها.

    واعتبر حواس في تصريحات صحافية، العثور على آثار تخص رمسيس الثالث في السعودية أمراً طبيعياً، خصوصاً أن إحدى البرديات تقول "إن الملك رمسيس الثالث أرسل بعثات تجارية لجلب النحاس من بلد مجاور، يعتقد أنه السعودية، لذلك من المتوقع العثور على آثار مصرية في الجزيرة العربية".

    وقد تم اكتشاف نقوش فرعونية على أراضي السعودية للمرة الأولى 2011، "حين تم اكتشاف أول نقش هيروغليفي يعثر عليه على صخرة ثابتة يحمل توقيعاً ملكياً (خرطوش) لأحد ملوك مصر الفراعنة، وهو رمسيس الثالث الذي حكم مصر بين سنوات 1192 - 1160 قبل الميلاد".

    وبحسب الهيئة، "يؤكد النقش وجود مبادلات تجارية مباشرة بين مصر والجزيرة العربية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وأن القوافل المصرية كانت تفد إلى تيماء قبل 3200 سنة للتزود بالبضائع النفيسة مثل الذهب والفضة والنحاس والبخور".

    "عبادة الماشية"

    المنطقة الزاخرة بإرث الحضارات والأنبياء، وفق المدونات التاريخية والتراثية، بدأت عجائبها تحدث عن أخبارها، ففضلاً عن "المعبد الروماني"، الذي وثق الرحالة عبدالله فيلبي وجوده، قبل أن يكتشفه الرحالة السعوديون أخيراً، أظهرت أبحاث مشتركة سعودية وغربية، نتائج مثيرة لصور جداول ومربعات جوية، ألهمت مصورين في المملكة مثل إبراهيم السرحان، قبل أن تكشف البعثات العلمية طبيعتها العلمية، وأن "آلاف الهياكل الحجرية هنالك تعود إلى عصور ما قبل التاريخ"، وفقاً لعمل بحثي ميداني نشرته جامعة كامبريدج البريطانية.

    ووثق العمل الميداني الذي أنجز في محافظتي العلا وخيبر (غرب السعودية)، أن الآثار المستطيلة اتضح أنها معقدة من الناحية المعمارية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً، وأنها تضم غرفاً ومداخل وأحجاراً منتصبة، يمكن تفسيرها على أنها منشآت لممارسة طقوس تعود إلى أواخر الألفية السادسة قبل الميلاد، حيث كشفت الحفريات الأخيرة عن أقدم دليل على "عبادة الماشية" (الإبل والبقر والغنم) في شبه الجزيرة العربية. وتعد المستطيلات من بين أقدم الآثار الحجرية في شبه الجزيرة العربية وواحدة من أقدم تقاليد البناء الأثرية، التي تم التعرف عليها على مستوى العالم.

    وكانت هيئة التراث السعودية أعلنت في وقت سابق اكتشافاً أثرياً آخر، قالت إنه الأول من نوعه في الجزيرة العربية، عن آثار أقدام بشرية وفيلة وحيوانات مفترسة أخرى، يعود تاريخها لأكثر من 120 ألف سنة، وجدت حول بحيرة قديمة جافة في محافظة تيماء على أطراف مدينة تبوك.

    وأوضحت نتائج المسح الأثري أن الآثار المكتشفة تعود لسبعة أشخاص وبعض الجِمال، بواقع 107 طبعات أثر، وأكثر من 40 طبعة لفيلة، وأخرى لحيوانات من فصائل الوعول والبقريات.

    وأكدت النتائج اكتشاف 233 أحفورة لبقايا عظام تعود لحيوان الفيل والمها، وبعض آثار الأنياب التي تؤكد وجود حيوانات مفترسة.

    وعلى الرغم من الاكتشافات المتلاحقة في المنطقة، فإن الباحثين أمثال عيد اليحيى في رحلاته المتعددة، يراهن على أن الذي كشف حتى الآن، ليس إلا قمة جبل الجليد، لمساحات واسعة، غنية بآثار حضارات وحقب، لم نعرف سوى اليسير عنها.